في كل خطبة جمعة في جميع أرجاء العالم الإسلامي خلال حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز (717-720 م)، كانت تُقرأ آية قرآنية لا تقتصر على مجرد لفظها، بل كانت تمثل عمودًا رئيسيًا لإصلاح إدارته. الآية 90 من سورة النحل، مع تركيزها على العدل والإحسان ومنع الفحشاء، قد تم تأسيسها كإعلان رسمي لرؤية حكمه الذي أدى إلى تغيير جذري في الخلافة الأموية.
هذه الخطوة تعكس بوضوح التزام الخليفة عمر بن عبد العزيز بإعادة تطبيق مبادئ الشريعة في كل جانب من جوانب الإدارة، وهو ما يختلف عن الممارسات السابقة التي أحيانًا انحرفت عن القيم الأساسية للإسلام. تصرفاته وضعت خطة عمل أخلاقية وعملية يجب أن يلتزم بها القادة والشعب، مما يضمن أن العدل ليس مجرد خطاب بل يكون أساسًا رئيسيًا لشؤون الدولة.
رؤية الخليفة المصلح للعدل
عمر بن عبد العزيز، الذي حكم فترة قصيرة لكنها ذات تأثير كبير، معروف بأنه الخليفة الخامس في الإسلام، ويُقارن غالبًا بالخلفاء الراشدين بسبب تقواه وعادله وبره. ارتقى إلى العرش في وقت كان فيه الخلافة الأموية تواجه مشاكل مثل عدم المساواة الاجتماعية والتمييز العرقي والفساد. فور توليه المنصب، بدأ إصلاحات كبيرة بهدف تنظيف الإدارة من الممارسات الظالمة وإعادة إحياء كرامة المسلمين.
إحدى أولى الخطوات والإجراءات المهمة كانت توجيه إدخال الآية 90 من سورة النحل في كل خطبة جمعة. قبل ذلك، كان من المعتاد ذكر اسم الخليفة والدعاء له في الخطبة. استبدل عمر بن عبد العزيز هذه العادة بذكر المسلمين بوصايا الله تعالى للعدل والقيام بالخير. هذا يمثل رمزًا قويًا بأن السلطة تأتي من الله وتجب استخدامها لتطبيق أوامره، وليس لخدمة المصالح الشخصية أو العائلية.
الآية الدليل، أساس الإدارة
الآية 90 من سورة النحل تلخص بشكل مختصر ودقيق المبادئ الأساسية لبناء مجتمع عادل وناجح. ترجمتها تقول:
"إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى. يعظكم لعلكم تذكرون"
"إن الله يأمر (لكم) بالعدل والقيام بالخير، ومساعدة الأقارب؛ وينهى عن الفحشاء والمنكر والظلم. إنه يعلمكم (بأوامره وتحذيراته)، حتى تتذكروا."
تتضمن أوامر الله هذه ثلاث قيم إيجابية يجب ترسيخها: العدل (`al-'adl`)، الخير أو الإحسان (`al-ihsan`)، وصيانة العلاقات الأسرية (`īta'i dhī al-qurbā`). في الوقت نفسه، تحظر ثلاث أمور سلبية: الأعمال الفاضحة (`al-fahsyā'i`)، المخالفات (`al-munkar`)، والظلم أو الاعتداء (`al-baghyi`).
بجعل هذه الآية جزءًا من الخطبة، أدخل الخليفة عمر بن عبد العزيز هذه القيم في الوعي الجماعي للمسلمين. تعمل كتحذير مستمر للحكام والقضاة والمسؤولين، وكذلك للشعب العادي حول مسؤولياتهم الأخلاقية. وقد كان هو نفسه نموذجًا رائدًا، حيث أعاد الممتلكات المسروقة غير المشروعة إلى أصحابها، وألغى الضرائب غير العادلة على *الموالين* (غير العرب الذين اعتنقوا الإسلام)، وضمن اختيار الموظفين بناءً على الكفاءة والتقوى، وليس النسب.
إرث العدل المستمر
الإصلاحات التي أطلقها الخليفة عمر بن عبد العزيز، رغم قصر مدة تطبيقها، تركت إرثًا عميقًا. تأسيس الآية 90 من سورة النحل في خطبة الجمعة لم يكن فقط تغييرًا في شكل الخطبة، بل أيضًا في طبيعة الإدارة. كما أكد مرة أخرى أن الحكم الإسلامي يجب أن يعتمد على مبادئ إلهية عامة، تتجاوز المصالح الشخصية أو السياسات الضيقة.
هذه القصة تثبت أن القرآن الكريم ليس كتابًا مقدسًا فقط للطقوس، بل دليل شامل لإدارة الدولة والحياة المجتمعية. تظهر منهجية عمر بن عبد العزيز كيف يمكن لآية قرآنية أن تكون أداة قوية للتغيير الاجتماعي والسياسي، وتشكيل مجتمع أكثر عدالة وأخلاقية. حتى الآن، تُستخدم هذه الآية غالبًا في المناقشات الإدارية الإسلامية كأساس يجب الالتزام به من قبل كل قائد وفرد عند بناء مجتمع حضاري ناجح وملتزم.
تواصل هذه الممارسة في عادات خطبة الجمعة في العديد من الدول الإسلامية، حيث تُقرأ الآية 90 من سورة النحل غالبًا في نهاية الخطبة الثانية. هذا يمثل تذكيرًا مستمرًا برؤية الخليفة عمر بن عبد العزيز وتعليمات القرآن الكريم حول العدل والخير ورفض الظلم، وهي ذات صلة في كل العصور.
