في تلك الفترة المسائية، جلست رينا (ليس اسمها الحقيقي) في غرفتها المُستأجرة. أصابعها كانت تتحرك على شاشة الهاتف، تكتب عبارات احتجاج حول مهام الجامعة المتراكمة. خلال دقائق، تم نشر المنشور وحصل على عشرات الإعجابات والتعليقات التعاطفية. رينا ليست استثناءً - بل يتحول ملايين الأشخاص في إندونيسيا إلى وسائل التواصل الاجتماعي كمساحة للشكوى كل يوم، من مشاكل الحب إلى ضغوط العمل.
ليس فقط البحث عن الاهتمام
يؤكد علماء النفس أن الشكوى على وسائل التواصل الاجتماعي لا تتعلق فقط بالرغبة في الظهور. وراء ذلك تكمن حاجة نفسية أساسية - مثل التأكيد الذاتي والدعم الاجتماعي والتفريغ العاطفي. في ثقافة جماعية مثل إندونيسيا، فإن التفاعل الاجتماعي له قيمة عالية؛ وبالتالي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي امتدادًا طبيعيًا لفضاءات الحوار التقليدية. ومع ذلك، توفر هذه المنصات أيضًا ردود فعل فورية - الإعجابات والتعليقات والمشاركة - التي يمكن أن تثير استجابة الدوبامين وتتحول إلى إدمان.
وفقًا لتقرير We Are Social وهوتسيفتي في يناير 2025، تحتوي إندونيسيا على 191 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، بمتوسط مدة استخدام 3 ساعات و28 دقيقة يوميًا. هذه الأرقام تدل على مدى انتشار المساحات الرقمية حيث تحدث الشكوى - وكيف يمكن أن يكون هناك خطر كبير في تطبيع الإدمان على التأكيد الخارجي. أكد علماء النفس من جامعة إندونيسيا أن الشكوى على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تعمل كتفريغ، ولكن إذا تم تكرارها دون تفكير، فقد تؤدي إلى تغيير قدرة الشخص على تنظيم مشاعره بشكل مستقل.
التأكيد في متناول اليد الرقمية
كل زر "إعجاب" أو تعليق "أنا أيضًا مررت بذلك!" ليس مجرد تفاعل بسيط - بل هو تأكيد أن مشاعرك مُعترف بها. في ظل ثقافة ما زالت تقدر "الحياء" و"الوقار"، توفر وسائل التواصل الاجتماعي مساحة مجهولة للتعبير عن الأعباء العاطفية دون مقابلة مباشرة. ومع ذلك، عندما تصبح ردود الفعل العامة مقياسًا لقيمة الذات، تظهر القلق عندما لا تحصل المنشورات على تفاعل كافٍ - وكأن وجودك العاطفي لا يصبح صحيحًا إلا إذا تم تأكيده من قبل الكثير من الناس.
تزيد الخوارزميات من تعزيز هذا الدوران: المحتوى العاطفي يميل إلى الانتشار بسرعة. أظهرت دراسة داخلية من منصة وسائط اجتماعية كبيرة أن المنشورات التي تحتوي على كلمات ذات طابع عاطفي - مثل "متعب"، "يائس"، "لا أستطيع" - حصلت على 20% أكثر من الإعجابات مقارنة بالمحتوى المحايد. وبما أن المستخدمين لا يدركون ذلك، يتعلمون تلقائيًا: كلما كانت المشاعر أكثر حدة، زادت فرص الحصول على الاهتمام.
عندما تبدأ الشكوى في تآكل الصحة العقلية
يمكن أن تكون الشكوى مهدئة - ولكنها ليست علاجًا. الشكوى المتكررة في المساحات العامة قد تكون مؤشرًا تحذيريًا: الاكتئاب، القلق المزمن، أو عدم القدرة على إدارة التوتر بشكل خاص. أشار طبيب نفسي من مستشفى جاكارتا للأمراض العقلية إلى أن الشكوى على وسائل التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن تحل محل الاستشارة المهنية. إذا شعر شخص ما باستمرار بأنه بحاجة إلى "إطلاق" أعبائه أمام الجمهور دون الشعور بالراحة أو التغيير، فمن المرجح أنه يواجه اضطرابًا يحتاج إلى معالجة محددة.
المخاطر الأخرى لا تقل خطورة: المقارنة الاجتماعية. عند مشاهدة شكاوى الآخرين، قد يقع المستخدم في طرفي النقيض - يشعر بأن حياته أسوأ («أنا حتى لا أقوى كما هو»)، أو يشعر بالتفوق («أنا ما زلت أفضل»). كلا الطرفين يدمر استقرار الثقة بالنفس على المدى الطويل.
طريقة أكثر صحة للشكوى
يُوصي علماء النفس بثلاثة مبادئ أساسية: أولاً، اسأل الغرض - هل أنت تبحث عن حلول، أو مجرد تفريغ، أو حقًا تحتاج إلى دعم؟ ثانيًا، حدد التكرار والمجال: الشكوى في مجموعات مغلقة أو مذكرات شخصية غالبًا ما تكون أكثر أمانًا وفعالية من المنشورات العامة. ثالثًا، اعرف الحدود: إذا شعرت المشاعر بعدم الانخفاض رغم الشكوى المتكررة، فهذا الوقت المناسب لاستشارة مختص أو طبيب نفسي - ليس كإشارة للضعف، بل كشكل من المسؤولية تجاه نفسك.
الوعي بالصحة العقلية في إندونيسيا آخذ في الارتفاع - المجتمعات عبر الإنترنت، خدمات الاستشارة القائمة على التطبيق، والحملات العامة أصبحت أكثر سهولة في الوصول إليها. ومع ذلك، من المحتمل أن تظل عادة الشكوى على وسائل التواصل الاجتماعي موجودة. يجب أن يتغير ليس العادة نفسها، بل الوعي بغاياتها، حدودها، وبدائلها.
