بحر ماريانا، الذي يقع في شمال المحيط الهادئ بالقرب من جزر ماريانا، هو أعمق نقطة معروفة على سطح الأرض. أعمق نقطة فيه، المعروفة باسم تشالنجر ديب، تقع على عمق قدره حوالي 10935 مترًا أو تقريبًا 11 كيلومترًا تحت سطح البحر. إذا وضعت جبل إيفرست داخل هذا البحر، فإن قمة الجبل ستظل أكثر من كيلومتر واحد تحت سطح البحر.
في هذه العمق غير العادي، يصل ضغط الماء إلى مستويات لا يمكن تخيلها بالعقل البشري. يزداد الضغط بمعدل حوالي ضغط جوي واحد (101325 باسكال أو 14.7 رطل لكل بوصة مربعة) لكل 10 أمتار من العمق. في عمق 11 كم، يبلغ الضغط حوالي 1100 ضغط جوي - أكثر من 1100 مرة ضغط الغلاف الجوي على سطح البحر.
لتفهم مدى شدة هذا الضغط، تخيل أن 50 طائرة بوينج 747 جالسة على ظفر يدك. أو تخيل وزن برج إيفل بأكمله يضغط على كل زاوية من عملة واحدة. هذا الضغط كافٍ لتكسير غواصة عادية مثل كسر علبة مشروب فارغة. لن يبقى جسم الإنسان غير محمي سليمًا - سيتعرض العظام للانهيار، وسيتم ضغط السوائل في الجسم، وستنهار الرئتين قبل أن يدرك الشخص ما يحدث.
ومع ذلك، من المذهل أن الحياة ما زالت موجودة في هذه العمق الشديد. تم العثور على أنواع مختلفة من الكائنات الحية في تشالنجر ديب، بما في ذلك حيوانات الأمفيبودا، والقواقع البحرية، وحتى بعض أنواع البكتيريا. كيف يمكن لهذه الكائنات أن تعيش في ضغط هائل؟ سر هذا يكمن في التكيفات البيولوجية المذهلة.
على عكس البشر الذين لديهم تجاويف مليئة بالهواء (مثل الرئتين والأنف)، لا تحتوي معظم الكائنات البحرية العميقة على أي تجاويف هوائية على الإطلاق. أجسامها مملوءة بالسوائل والأنسجة التي يمكن أن تتقلص ثم تعود إلى شكلها الأصلي. كما تطورت إنزيمات وبروتينات هذه الكائنات لتعمل بشكل طبيعي تحت ضغط عالي جدًا - الإنزيمات التي ستكون صلبة وغير فعالة عند الضغط السطحي يمكن أن تعمل بشكل جيد في هذه العمق القاتل.
لزيارة هذه العمق، يحتاج البشر إلى وسائل نقل خاصة مصممة لتتحمل الضغط الهائل. تم تصميم البايثوسفير والغواصات البحثية بجدر فولاذية سميكة أو كرات تيتانيوم لخلق بيئة ضغط طبيعية داخلها. في عام 1960، أصبح جاك بيكارد ودون والش أول شخصين يصلان إلى تشالنجر ديب باستخدام مركبة باثيسكوف تريست. وفي عام 2012، انزلق المُستكشف والمخرج السينمائي جيمس كامرون وحده في غواصة DSV Deepsea Challenger، قضى عدة ساعات في استكشاف قاع البحر.
أظهرت دراسات بحر ماريانا نظامًا بيئيًا فريدًا وأنواعًا من الكائنات التي لم تكن معروفة سابقًا للعلم. هذه الاكتشافات تثبت أن الحياة يمكن أن توجد في الظروف الأكثر قسوة، وتفتح إمكانية وجود حياة في المحيطات الموجودة تحت طبقة الجليد على أقمار الغاز العملاقة مثل إوروبا وإنسيلادوس.
