الجذور العلمية في لشبونة: عندما أصبح الدماغ "كابلًا يمكن قطعه"
في بداية عقد 1930، في مختبر صغير بمستشفى سانتا مارتا في لشبونة، كان طبيب الأعصاب البرتغالي أنطونيو إغاس مونيز يدرس صور الأشعة الدموية لدماغ مريض مصاب بالفصام. لم يكن يبحث عن إصابات جسدية - لأنه لم يعثر على أي منها - بل عن فرضية جريئة: أن الأعراض النفسية قد تكون ناتجة عن "دوائر عصبية صلبة" في القشرة الأمامية. مونيز، الذي كان معروفًا سابقًا بمساهمته في التصوير العصبي، اقترح: إذا قطعنا تلك الدوائر، ستهدأ المشاعر والاندفاع. في عام 1935، بمساعدة الجراح جوزيه ليمَا، أجرى مونيز أول عملية - leucotomy - على امرأة تبلغ من العمر 63 عامًا تعاني من الاكتئاب الشديد. باستخدام أداة خاصة على شكل حلقة (leucotome)، قاموا بعمل ثقوب صغيرة في الجمجمة، ثم دار الأداة لتفتيت النسيج الأبيض في اللوبوس الأمامي. النتيجة؟ أصبحت المريضة أكثر هدوءًا، لكنها فقدت أيضًا الانسجام والتعاطف وقدرة اتخاذ القرارات المعقدة. أعلن مونيز عن نجاحه - وبدأ العالم الطبي، الذي كان يعاني من نقص في خيارات العلاج، يستمع.
الانتشار السريع تحت ظلال المؤسسات الاستعمارية
خلال أقل من خمس سنوات، انتشرت تقنية مونيز إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومن خلال شبكة المستشفيات الاستعمارية إلى تاناه ملايو وجاوة. في مستشفى تانجونغ رامبوتان (تم إنشاؤها عام 1919 في بيراك)، أظهرت سجلات الأرشيف من عامي 1948 إلى 1955 على الأقل 27 عملية لobotomy تم إجراؤها على مرضى "ماني-ديpressive" و"مصابين بالفصام المزمن"، معظمهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 عامًا. في مستشفى ماجلانغ للأعصاب (هولندا الشرقية)، أشارت وثائق وزارة الاستعمار الهولندي إلى استخدام "leucotomy الأمامية" كـ"خطوة أخيرة للمريض غير المستجيب للعلاج بالماء والعزل". المثير للدهشة: لم توجد سجلات موافقة من العائلة الموقعة؛ تم الموافقة على معظم العمليات من قبل الموظفين الطبيين الاستعماريّين بناءً على "تقييم مهني" فقط. لعب السياق الاجتماعي الاستعماري دورًا أيضًا - غالبًا ما تم تصنيف المرضى على أنهم "غير منتجين" أو "مزعجين للنظام"، واعتبرت الربط العصبية وسيلة فعالة "استعادة الوظائف الاجتماعية" دون الحاجة إلى رعاية طويلة الأمد.
فريمان و"المطرقة الثلجية": عندما أصبحت الجراحة العصبية عرضًا جماهيريًا
في الولايات المتحدة، أعاد وولتر فريمان - طبيب نفسية بدون تدريب جراحي رسمي - تحويل الربط العصبي إلى إجراء "جماعي". في عام 1945، قدم "الربط العصبي عبر العين": باستخدام "مطرقة الثلج" (ice pick) التي تُدخل عبر الجفن ويُضرب بلطف داخل الدماغ، يمكن لفريمان إجراء العملية في أقل من عشر دقائق - دون تخدير كامل، دون غرفة جراحة معقمة. أجرى أكثر من 3500 عملية، غالبًا أمام الطلاب وأصحاب الصحف. في ماليزيا، تم تنفيذ نسخة معدلة - تُعرف باسم "الربط العصبي المسيطر عليه" - في مستشفى كوالا لومبور في أوائل عام 1950، ولكن برقابة صارمة من الأطباء البريطانيين. ومع ذلك، أشارت سجلات الصحة العامة لتاناه ملايو عام 1953 إلى قلق: "بعض الحالات أظهرت انخفاضًا تدريجيًا في القدرة المعرفية وفقدان المبادرة الاجتماعية بعد ستة أشهر".
السقوط والاعتراف المتأخر: عندما اعترفت العلوم بأخطائها
بدأ سقوط الربط العصبي ليس بسبب احتجاجات أخلاقية، بل بسبب ظهور الكلوربرومازين في عام 1952 - أول دواء مضاد للذهان الذي أثبت فعاليته دون تدمير هيكل الدماغ. تدريجيًا، بدأت المجتمع الطبي إعادة النظر في قيمة الإجراء الذي ترك العديد من المرضى في حالة "وظيفية نباتية": قادرين على المشي والأكل، لكنهم فقدوا الدوافع العاطفية أو الشعور بالذنب أو الرغبة في التعلم. في سبعينيات القرن الماضي، أصدر مجلس الطب الماليزي إرشادات رسمية تمنع الربط العصبي إلا في "حالات استثنائية وبإذن أخلاقي مكتوب". ومع ذلك، لم تكن هناك أي اعتراف رسمي بالضحايا - لا تعويض، ولا استحقاق، ولا ملف مركزي يحتفظ بأسمائهم. فقط في عام 2019، أ开放ت أرشيفات الدولة الماليزية بعض ملفات مستشفى تانجونغ رامبوتان - بما في ذلك ملاحظات سريرية تشير إلى "المريض X، 28 عامًا، بعد الربط العصبي: لم يعد يعرف إخوته، لكنه يستطيع الغناء أغاني الشعب دون خطأ".
الإرث الذي لم يعد مخفيًا: لماذا يجب أن تُذكر هذه القصة
الربط العصبي ليس مجرد فصل أسود في تاريخ الطب - بل هو مرآة حادة توضح كيف يمكن لسلطة المؤسسات والضغوط الاجتماعية ونقص الفهم العصبي أن يضحوا بالإنسان باسم "الرفاهية". في نوسانتارا، تظل هذه القصة نادرة المناقشة لأن سجلاتها منتشرة في الأرشيفات الاستعمارية، الوثائق الصحية غير المنشورة، والذكريات الشفوية للأسر التي ترفض فتحها. ومع ذلك، الآن، مع زيادة الوصول إلى الأرشيفات الرقمية ودراسات متعددة التخصصات بين التاريخ الطبي ودراسات الإعاقة، بدأت هذه القصة تظهر - ليس لاتهام، بل لتنبيه: يجب أن يتم توازن كل اكتشاف طبي بمبادئ الاستقلالية والعدالة والرحمة العلمية. كما كتب الباحث الطبي الدكتور ليم سوي تشينغ في دراسته لعام 2021 حول الطب النفسي الاستعماري، "الأكثر خطورة ليس غياب المعرفة - بل الإيمان العمياء بأن المعرفة كافية."
الخاتمة بلا نهاية: الأسماء المفقودة في السجلات الطبية
أسماء مرضى الربط العصبي في تاناه ملايو - مثل الكثير في جميع أنحاء العالم - لم تُسجل أبدًا في كتب الطب. لم تصبح موضوع دراسات متقدمة، ولم تُستمع إليهم، ولم تُمنح مساحة في "الNarrative" للتقدم. ومع ذلك، لا تزال آثارهم موجودة: في ملاحظات الممرضين الذين يذكرون "السيد أ، لم يعد غاضبًا، لكنه لم يبتسم منذ أغسطس 1951"؛ في رسائل العائلة التي تطلب "لا ترسل ابننا إلى تانجونغ رامبوتان مرة أخرى"؛ في سجلات الوفاة التي تسجل "التهاب الرئة" كسبب رئيسي - بينما كان المريض قد فقد انعكاسات البلع منذ عامين. التاريخ ليس فقط عن الشخصيات الكبيرة وقرارات السياسة. بل هو أيضًا عن اللحظات الصامتة التي تدخل فيها السكين إلى الدماغ - وعن الأصوات التي لم تُسمع أبدًا.
---
*المراجع: [Lobotomy — ويكيبيديا](https://en.wikipedia.org/wiki/Lobotomy)*
