المقدمة: الكابوس خلف القبة الزجاجية
تخيل أنك محصور في عالم صغير مساحته 1.27 هكتار مع سبعة أشخاص آخرين لمدة عامين دون أي اتصال بالعالم الخارجي. هذا ما حدث لطاقم بيوسفير 2، وهو تجربة علمية جريئة ومثيرة للجدل في التاريخ. عندما أُغلقت البوابات الفولاذية في 26 سبتمبر 1991، راقب العالم بانتباه. ومع ذلك، ما حدث داخل القبة الزجاجية كان أكثر دراماتيكية من أي فيلم خيال علمي. بدأ الأكسجين في الانخفاض، وارتفع ثاني أكسيد الكربون، وبدأ التوازن الطبيعي الهش في الاهتزاز. من يخطر بهم أن 'الأرض الصغيرة' هذه كانت على وشك أن تصبح مقبرة لسكانها؟فقدان الأكسجين: لغز يربك العلماء
إحدى الاكتشافات الأكثر مفاجأة في هذه التجربة كانت الانخفاض الحاد في مستويات الأكسجين داخل بيوسفير 2. خلال 16 شهراً الأولى، انخفضت تركيزات الأكسجين من 20.9% إلى 14.2%، وهو ما يعادل البقاء في قمة جبل بارتفاع 4000 متر. ارتعب العلماء. أين ذهب الأكسجين؟ افترضت النظرية الأولية أن الكائنات الدقيقة في التربة الغنية بالمواد العضوية كانت السبب. تبين أن التربة المستخدمة للزراعة والغابة الصغيرة تحتوي على بكتيريا "تنفس" الأكسجين لتحليل الكربون. هذا أدى إلى إنتاج ثاني أكسيد الكربون، لكن زيادة CO2 لم تكن متوازنة مع فقدان O2. في النهاية، أظهرت الأبحاث المتقدمة أن الخرسانة التي تشكل جدران القبة امتصت الأكسجين عبر عملية التكربن. هذه خطأ في التصميم أدى إلى الموت.ثاني أكسيد الكربون: قنبلة زمنية موقوتة
مع فقدان الأكسجين، ارتفع مستوى ثاني أكسيد الكربون (CO2) بسرعة. في البداية، كان ضمن نطاق آمن، ولكن عندما لم تستطع النباتات امتصاص CO2 بشكل كافٍ بسبب نقص الضوء ومساحة الغابة غير الناضجة، أصبحت الحالة حرجة. في أحد الأوقات، وصلت مستويات CO2 إلى مستوى يسبب للطاقم الصداع والتعب ومشاكل التنفس. نظام تنقية الهواء المخطط له فشل في العمل بشكل جيد. أكثر غموضًا، كانت هناك ارتفاعات وانخفاضات يومية مجهولة لـ CO2 - ارتفعت في الليل وانخفضت في النهار، لكن ليس بسرعة كافية. هذا يشبه تقريبًا العالم الذي نعيش فيه الآن، لكن بحجم صغير. إذا استمر ارتفاع مستويات CO2، قد يموت الطاقم من الغرق في غضون سنة واحدة.أزمة الغذاء: من الحلم إلى الواقع المرير
كان أحد الأهداف الرئيسية لبيوسفير 2 هو اختبار ما إذا كان البشر يستطيعون العيش بشكل مستدام من خلال إنتاج الطعام بأنفسهم. زرعوا الأرز والقمح والخضروات، وربوا goats ودجاج. ومع ذلك، ما حدث كان كارثة زراعية. فشلت المحاصيل بسبب الآفات التي انتشرت دون سيطرة. بدون مبيدات حشرية كيميائية، تعرضت مزارعنا للآفات والخميرة. كانت المحاصيل كافية فقط لـ 80% من احتياجات السعرات الحرارية اليومية. بدأ الطاقم في الجوع. انخفض وزنهم بشكل كبير - بعضهم فقد حتى 15 كجم. اضطروا لتقليل الأنشطة البدنية والنوم لفترات أطول لحفظ الطاقة. هذه الظروف تذكرنا بحساسية النظام الغذائي العالمي.اضطراب المناخ الداخلي: الأمطار التي لا تأتي أبداً
داخل القبة، كانت هناك بيوميات مختلفة: غابات مطيرة، صحاري، سافانا، وبحيرات صغيرة. تعتمد كل بيومية على نظام تحكم مناخي دقيق. ومع ذلك، بسبب نقص النماذج الحاسوبية المتقدمة في ذلك الوقت، بدأ المناخ الداخلي في عدم الاستقرار. على سبيل المثال، الأمطار المخطط لها لري الغابات المطيرة لم تهطل في الوقت المناسب. هذا أدى إلى موت النباتات وانعدام الرطوبة في الهواء. أما الصحاري، فقد أصبحت جافة جداً، مما أدى إلى انتشار الغبار في جميع أنحاء القبة. تغيرت درجات الحرارة بشكل حاد بين النهار والليل. اضطروا للعيش في ظروف غير مريحة - أحيانًا يكون الجو حارًا جدًا، وأحيانًا باردًا جدًا. كما أن أنظمة التدفئة والتبريد التي تعتمد على الطاقة الشمسية لم تكن كافية.الاضطراب النفسي: عندما يحظر الإنسان
لم يكن الجسد فقط هو الذي تضرر، بل أيضًا الصحة النفسية للطاقم. كان ثمانية أشخاص يعيشون في مساحة محدودة دون خصوصية حقيقية. زادت التوتر بينهم يومًا بعد يوم. تم تسجيل تقارير عن خلافات صغيرة، الشعور بالعزلة، والاكتئاب. واحدة من أفراد الطاقم، جين بويнтер، كتبت كتابًا يتحدث عن التوتر بين الفريق الذي يدير المشروع من الخارج والفريق الموجود داخل القبة. شعر البعض وكأنهم سجناء في سجن زجاجي. عندما أصيب أحد أفراد الطاقم بإصابة في الإصبع وتم نقله خارج القبة، أثار هذا نقاشًا حول السلامة والأخلاقيات في هذه التجربة. هل من المناسب أن نستمر في حبس البشر في ظروف غير مستقرة؟الخاتمة: دروس مريرة لم تُتعلم
انتهت تجربة بيوسفير 2 في 26 سبتمبر 1993، حيث خرج الطاقم في حالة نحيفة ومتعبة. تلقى المشروع انتقادات شديدة من المجتمع العلمي بسبب نقص السيطرة العلمية وتدخلات خارجية (تم تزويد الأكسجين والطعام من الخارج). ومع ذلك، تركت العديد من البيانات القيمة حول تفاعل البشر مع النظم البيئية والتكنولوجيا. اليوم، تُستخدم بيوسفير 2 كمركز بحثي لدراسة المناخ في جامعة أريزونا. ومع ذلك، تبقى الأسئلة الكبيرة في الأذهان: هل نحن حقًا مستعدين لاستعمار المريخ أو القمر إذا لم نتمكن من إدارة "الأرض الصغيرة" الخاصة بنا؟ أم أننا نعيد تكرار نفس الأخطاء في مقياس أكبر؟ ربما تكون الإجابة أكثر رعبًا مما نعتقد.
*المصدر: [بيوسفير 2 — ويكيبيديا](https://en.wikipedia.org/wiki/Biosphere_2)*
