عاجل
🌍 تغطية عالمية 24/7 • 🏯 شرق آسيا: الصين، اليابان، كوريا • 🛕 جنوب آسيا: الهند • 🏰 أوروبا • 🗽 الأمريكتان • 🌍 أفريقيا • 🕌 الشرق الأوسط • 🇵🇸 تضامن فلسطين •
هذا المقال ترجمة من اللغة الأصلية.
🧠 هل تعلم

لماذا نُقل آلاف الأشخاص من البلقان إلى الشرق الأوسط باعتبارهم «سقالبة» رغم كونهم مسيحيين؟

بين القرن السابع والقرن الخامس عشر، لم تكن منطقة البلقان مجرد أرض صراع ديني فحسب، بل كانت أيضًا مركزًا لتجارة العبيد الأكثر سرية في تاريخ أوروبا. ولم يكونوا عبيداً عاديين: بل أُطلق عليهم اسم «سقالبة»، وحظوا بتقديرٍ عالٍ في بلاط العباسيين وفي خلافة قرطبة. لكن من كانوا بالضبط؟ ولماذا جاز اعتبار المسيحيين الأرثوذكس وأنصار حركة البغوميل عبيداً، في حين كانت الكنيسة الكاثوليكية تحرم استعباد المسيحيين بعضهم بعضاً؟ والإجابة تكمن في خطٍ رفيعٍ جدًّا: ليس الدم، ولا اللغة — بل *اللاهوت*.

30 Jun 20264 دقيقة قراءة0 مشاهداتبواسطة Redaksi KhatulistiwaWikipedia — Balkan slave trade
لماذا نُقل آلاف الأشخاص من البلقان إلى الشرق الأوسط باعتبارهم «سقالبة» رغم كونهم مسيحيين؟
الصورة: Foto: Wikipedia — Balkan slave trade (CC BY-SA 4.0)
AI

من هم «السقالبة» — ولماذا كان هذا الاسم يثير الرعب في بغداد وقرطبة؟

«السقالبة» ليست لقباً إثنياً، بل هي مصطلح عربيٌّ يعود للعصور الوسطى يُشار به إلى السلافيين من أوروبا الوسطى ومنطقة البلقان، وبخاصة أولئك الذين نُقلوا عبر طرق التجارة البحرية في البحر الأدرياتيكي والبحر الإيجي. ورد هذا المصطلح في المصادر العباسية منذ القرن التاسع، وارتبط في الغالب بالعبيد النخبويين: حراس القصور، والجنود المختارين (مثل «الغلامان»)، ومترجمي اللغات، بل وحتى مستشاري الشؤون السياسية. وفي قرطبة، أصبحت سقالبية تُدعى «صبح» أمَّ الخليفة الحكم الثاني، وتمتَّعت بنفوذٍ سياسيٍّ واسعٍ على شؤون الدولة لسنواتٍ عديدة. وهذه الحقيقة تدلُّ على أنهم لم يكونوا عبيداً عاديين، بل أصولاً استراتيجية. ومع ذلك، وراء هذه المكانة المرموقة، تكمن حقيقةٌ مريرة: فقد تمَّ نقل غالبية السقالبة البلقانيين ليس عبر أسرهم في معارك كبرى، بل باعتهم مجتمعاتهم المحلية نفسها، عبر وسطاء من تجار البندقية وراجوسة، ثم أُرسلوا إلى موانئ مثل باري وبليرمو والإسكندرية.

لماذا جاز اعتبار المسيحيين «قابلين للاستعباد» رغم عدم كونهم مسلمين؟

هذه فجوة لاهوتيةٌ تُربك العقل حقًّا. فلقد حظرت الكنيسة الكاثوليكية صراحةً استعباد المسيحيين بعضهم بعضاً منذ مرسوم المجمع اللاتراني الثالث عام ١١٧٩. ومع ذلك، ظلت منطقة البلقان — رغم اعتمادها المسيحية منذ القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر — تُعتبر «منطقة حدود دينية» من قِبل العالم الكاثوليكي الغربي. ولهذا سببان: أولهما أن غالبية سكان البلقان كانوا مسيحيين أرثوذكس، اعتبرتهم روما «غير شرعيين» أو «ضالين»؛ وثانيهما انتشار تعاليم البغوميل — وهي حركة مسيحية ثنائية الرؤية رفضت الأسرار الكنسية والهرمية الكنسية بل وحتى الصليب نفسه — ما جعل المنطقة «غامضة دينياً». أما بالنسبة لتاجر البندقية، فإن هذا الوضع اللاهوتي كان كافياً ليصنَّفهم عملياً باعتبارهم غير مسيحيين، وبالتالي جائزٌ تداولهم تجارياً. وتذكر وثائق أرشيف البندقية من القرن الثالث عشر صراحةً: «إن السلافي الذي يصلِّي متجهاً نحو الشرق ولا يعترف بالبابا لا يتمتع بأي حماية بموجب قوانين الجمهورية.»

ما الدور الذي لعبته البندقية — ولماذا أصبحت «الحلقة السرية» بين البلقان والعالم الإسلامي؟

لم تكن البندقية مجرد تاجرٍ فحسب، بل كانت مهندساً لوجستياً لتجارة العبيد. فمنذ القرن العاشر، سيطرت جمهورية البندقية على الموانئ الرئيسية في دالماسيا (مثل زادار ودوبروفنيك)، ثم أنشأت شبكة من نقاط التجارة على طول الساحل الغربي للبلقان. وهي لم تهاجم القرى لأسْر العبيد، بل تعاونت مع الزعماء المحليين، والنبلاء الصرب أو البلغار، بل وحتى الأديرة الأرثوذكسية — التي باعت أسرى الحروب، والمجرمين ذوي الجرائم البسيطة، والأيتام باعتبارهم «سلعاً تجارية». وتسجل سجلات ميناء البندقية لعام ١٣٤٢ نقل ١٧٨ «سلافي كوم دوكومنتيس» (سلافيين مرفقين بوثائق بيع) إلى كريت وقبرص خلال شهرٍ واحدٍ فقط. والأمر المذهل أن هذه الوثائق كانت تُوقَّع في كثيرٍ من الأحيان من قِبل قساوسة أرثوذكس — بصفتهم شهوداً قانونيين على الصفقات. وهذا ليس استغلالاً خارجياً، بل هو تعاون مؤسسيٌّ.

لماذا فضَّل الشرق الأوسط السقالبة بدلاً من العبيد الأفارقة أو الأتراك؟

في عالم الإسلام في العصور الوسطى، كان سوق العبيد مقسَّماً وفق الوظائف. فكان العبيد الأفارقة («الزنج») يُرسلون عادةً لأعمال الشاقة في مناجم الملح أو الأراضي الزراعية؛ بينما درِّب العبيد الأتراك («المماليك») ليكونوا فرساناً. أما السقالبة فكانوا فريدين: بشرتهم فاتحة، وأتقنوا اللاتينية والسلافية، وسهل تدريبهم على بروتوكولات القصور، والأهم من ذلك: لم تكن لهم شبكات قَبَلية أو ولاءات سياسية محلية. فهم لن يتمردوا باسم العائلة أو الوطن، لأن وطنهم هو الذي «باعهم». وتقول مصادر تاريخية من بغداد: «إن سقالبياً واحداً أكثر ثقةً من عشرة عبيد أتراك — لأنه ليس لديه بلدٌ يعود إليه.» وهذا يفسِّر سبب شراء سلاطين مصر للسقالبة البلقانيين ليكونوا حراس غرف نوم الخلفاء، ليس فقط كرمزٍ للثراء، بل كنظامٍ أمنيٍّ سياسيٍّ.

متى انتهت هذه التجارة — وما إرثها الذي لا يزال ظاهراً حتى يومنا هذا؟

انتهت تجارة البلقان رسمياً بعد فتح القسطنطينية على يد العثمانيين عام ١٤٥٣ — ليس بسبب ضغوط أخلاقية، بل لأن البندقية فقدت هيمنتها البحرية وانتقلت طرق التجارة إلى أيدي العثمانيين. ومع ذلك، لا تزال آثارها ظاهرة: ففي اللهجة البوسنية الحديثة، تأتي كلمة «روبليين» (تعني «مُكره» أو «مُجبر») من الجذر السلافي القديم «روب»، أي «عبد». وفي أرشيف الفاتيكان، توجد رسالة من البابا إنوسنت الرابع عام ١٢٤٥ تدين «تجارة الأرواح في دالماسيا»، لكن دون اتخاذ أي إجراءٍ فعليٍّ — لأن البندقية كانت حليفاً استراتيجياً في مواجهة سلالة هوهنستاويفن. أما أكبر إرثٍ تركته هذه الظاهرة فهو أن استعباد البشر في أوروبا في العصور الوسطى لم يكن مسألة لون الجلد الأسود أو الأبيض فحسب، بل مسألة من يُعترف به كإنسانٍ كامل في النظام اللاهوتي السائد. وهذه المسألة، وبعد مرور أكثر من ٧٠٠ سنة، لا تزال سؤالاً لم يُجب عليه بشكلٍ كاملٍ حتى اليوم.

---
المصدر: تجارة العبيد في البلقان — ويكيبيديا

متوفر في: